ابن الأثير
156
أسد الغابة ( دار الفكر )
عائشة احتبست على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقال : ما حبسك ؟ قالت : سمعت قارئا يقرأ . فذكّرت من حسن قراءته ، فأخذ رداءه وخرج ، فإذا هو سالم مولى أبى حذيفة فقال : الحمد للَّه الّذي جعل في أمتي مثلك . وكان عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يكثر الثناء عليه ، حتى قال لما أوصى عند موته : لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى . قال أبو عمر : معناه أنه كان يصدر عن رأيه فيمن يوليه الخلافة . وآخى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بينه وبين معاذ بن ما عض . وكان أبو حذيفة قد تبناه كما تبنى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم زيد بن حارثة ، فكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه ، فأنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة ، وهي من المهاجرات ، وكانت من أفضل أيامى قريش ، فلما أنزل اللَّه تعالى : ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [ ( 1 ) ] ردّ كل أحد تبنى ابنا من أولئك إلى أبيه ، فإن لم يعلم أبوه ردّ إلى مواليه فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو العامرية إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقالت - ما أخبرنا به أبو الفرج يحيى بن محمود بن سعد ، وأبو ياسر عبد الوهاب بن هبة اللَّه بن أبي حبة باسناديهما إلى مسلم بن الحجاج قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، ومحمد بن أبي عمر جميعا ، عن عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن القاسم هو ابن محمد بن أبي بكر ، عن عائشة : أن سالما مولى أبى حذيفة كان مع أبي حذيفة ، وأهله في بيتهم ، فأتت - يعنى سهلة بنت سهيل - النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقالت : إن سالما بلغ ما يبلغ الرجال ، وعقل ما عقلوا ، وإنه يدخل علينا ، وإني أظن أن في نفس أبى حذيفة من ذلك شيئا . فقال لها النبي صلى اللَّه عليه وسلم : أرضعيه تحرّمى عليه ويذهب ما في نفس أبى حذيفة . فرجعت إليه فقالت : إني قد أرضعته فذهب الّذي في نفس أبى حذيفة . فأخذت بذلك عائشة ، وأبى سائر أزواج النبي صلى اللَّه عليه وسلم . وشهد سالم بدرا ، وأحدا ، والخندق ، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وقتل يوم اليمامة شهيدا ، أخبرنا يحيى بن أسعد بن بوش ، أخبرنا أبو غالب بن البناء ، أخبرنا أبو الحسن بن الآبنوسي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن الفتح الجلىّ ، أخبرنا محمد بن سفيان بن موسى ، أخبرنا أبو عثمان ، عن ابن المبارك ، عن إبراهيم بن حنظلة ، عن أبيه : أن سالما مولى أبى حذيفة قيل له يومئذ ، يعنى يوم اليمامة في اللواء أن يحفظه ، وقال غيره : نخشى من نفسك شيئا فنولّى اللواء غيرك ، فقال : بئس حامل القرآن أنا إذا ، فقطعت يمينه فأخذ اللواء بيساره ، فقطعت يساره فاعتنق اللواء ، وهو يقول : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [ ( 2 ) ] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [ ( 3 ) ] فلما صرع قال لأصحابه : ما فعل أبو حذيفة ؟ قيل : قتل . قال : فما فعل فلان ؟ لرجل سماه ، قيل : قتل . قال : فأضجعونى بينهما . ولما قتل أرسل عمر بميراثه إلى معتقته ثبيتة بنت يعار ، فلم تقبله ، وقالت : إنما أعتقته سائبة [ ( 4 ) ] ، فجعل عمر ميراثه في بيت المال .
--> [ ( 1 ) ] الأحزاب : 5 . [ ( 2 ) ] آل عمران : 144 . [ ( 3 ) ] آل عمران : 146 . [ ( 4 ) ] إذا أعتق العبد سائبة فلا يكون ولاؤه لمعتقه ، ولا وارث له .